خليل الصفدي
368
أعيان العصر وأعوان النصر
ورفع العصابة فوق رأسه ، وسار ولم يتبعه أحد ، ولما قرب من قرا سنقر ما اجتمعا إلّا بعد مراسلات عديدة أيمان ومواثيق ؛ لأن الأفرم تخيل في نفسه أن قرا سنقر عمل هذه الفعلة مكيدة عليه ، وكان حزما منه ، ولما اجتمعا سارا في البرية ، وقصدا مهنا بن عيسى ، وكان قرا سنقر قد ترامى إلى مهنا ، وترامى الأفرم إلى أخيه محمد . وحكى لي القاضي شهاب الدين قال : حكى لي سنجز البيروتي ، وكان أكبر مماليك الأفرم قال : لما فارقنا البلاد ، التفت الأفرم إلى بلاد الشام ، وأنشد : سيذكرني قومي إذا جدّ جدّهم * وفي اللّيلة الظّلماء يفتقد البدر وبكى فقال : هل قراسنقر روح بلا فشار ؟ تبكي عليهم ، ولا يبكون علينا ، فقال : واللّه ما بي إلّا فراق موسى ولدي ، فقال له : أيّ بغاية بصقت في رحمها جاء منه موسى وعلي وخليل وعدّة أسماء ، وقال : ولم ندخل ميافارقين إلّا وقد أملق ، ونفذ ما كان يقوم به إلّا قرا سنقر ، وألجأتنا الضرورة إلى أني كنت أحطب ، والأفرم ينفخ النار ، والمماليك تنام هنا وهنا ، وما فيهم من يرحمه ، ولا من ينفخ النار عنه ، فيقول لي : ويلك يا سنجز تبصّر ! بأقول له : أبصرت فيتنهد ، وتتغرغر عيناه بالدموع ، فلمّا وصلنا إلى بيوت سوتاي ، أضافنا ضيافة عظيمة ، ونصب لنا خيمة كبيرة ، كان كسبها من المسلمين أيام غازان ، وعليها ألقاب السلطان الملك الناصر ، فلمّا قام الأفرم ؛ ليتوضأ قال لي : ويلك يا سنجز ، كيف نعاند القدرة ونحن في هذا المكان ؟ ، وقد خرجنا من بلاده ، وهو فوق رؤوسنا ، وإذا كان اللّه قد رفعه ، وكيف نقدر نحن نضعه ؟ قال سنجز : ومن حين دخلنا إلى بيوت سوتاي ، عاد إليه ناموس الإمرة ، ومشت المماليك معه على العادة ، وأجري علينا من الرواتب ما لم نحتج معه إلى شيء آخر ، ولم يزل كذلك حتى وصلنا الأردو ، فازداد إكرامنا ، وتوالى الإنعام علينا . وركب خربندا يوما ودار حتى انتهى إلينا ، فوقف وخرج له الأفرم ، وضرب له جوكا ، وقدم له خيلا بسروجها ولجمها وأشياء أخرى فقبلها ، واستدعى بشراب فشرب منه ، وأمسك له أياق ، فضرب الأفرم له جوكا وشربه ، فأمر له بخمسين ثوبا فقبضناها من خواجا علي شاه « 1 » ، ثم أعطاه همذان ، فتوجهنا إليها وأقام بها ، وقصدته الفداوية مرات ، ولم يظفروا به ، وقفز عليه واحد منهم مرة ، والأفرم قاعد وقدّامه بيطار ينعل له فرسا ، فأمسكه بيده ، وضمه إلى إبطه ، ولم يزل كذلك حتى أخذناه وقرره ، ثم قتله ، قال : وأحضر الأطباء فملئوا فمي زيتا ، وأعطوني محاجم ، وبقيت أمص الجرح ، ثم إنهم عالجوه وبرئ ، ولم يمت
--> ( 1 ) أورد له المصنف ترجمة .